الشيخ محمد اليعقوبي

55

ثلاثة يشكون (شكوى القرآن ، شكوى المسجد ، شكوى الإمام)

وعزل الناس عنه بشتى الطرق فقد كان النضر بن الحارث وهو ممن ذهب إلى بلاد فارس وتعلّم من اخبار ملوكهم يتعقب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فإذا قام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من مجلس جلس إليهم النضر وتحدث لهم ثم يقول : بالله ايّنا أحسن قصصاً انا أو محمد وكانوا يصفون القرآن بأنه أساطير الأوليين أو أحاديث اكتتبها فهي تملى عليه بكرةً وأصيلا أو حديث يفترى مبين أو يصفقون بصوتٍ عالٍ عند تلاوته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للقرآن ليحولوا دون سماعه ويصف القرآن موقفهم هذا بقوله : ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) « 1 » وقال تعالى : ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ ) « 2 » وها هي جاهلية اليوم تصف القرآن نفس الأوصاف انه من كلام محمد ويمثل نبوغاً انسانياً وليس وحياً الهياً وحاولوا التأليف في متناقضات القرآن ولكنهم لما عجزوا واكتسحهم القرآن وفرض وجوده عليهم عمدوا - بما أوتوا من خبث ومكر وخداع - إلى تفريغه من مضمونه وعزله عملياً عن واقع الحياة وحولّوه إلى ما يشبه الأناشيد والأغاني التي يترنم بها المطربون ويعبّر الجالسون عن طربهم بصيحات ( الله الله يا شيخ ) وحولّوه إلى تعويذات يعلّقوه على صدورهم أو في بيوتهم لا أزيد من ذلك وهذا الأسلوب كما ترى أخطر من أسلوب النضر بن الحارث وأمثاله وأشد مكراً وافتك اثراً . 11 - ومن التصرفات البارزة التي يتصف بها الجاهليون هي الجمود على التقاليد الموروثة عن السلف والتزمت في الالتزام بها وعدم الخروج عنها وان قام الدليل والحجة على خلافها وهذا التصرف نتيجة التحجر وعدم السلامة في التفكير وتحكيم العاطفة باعتبار ان الشيء الذي تتوالى عليه أجيال من الاباء والأجداد يكتسب قداسة يصعب اختراقها وقد كرّر القرآن هذا المعنى كثيراً بحيث نستطيع ان نفهم

--> ( 1 ) فصلت : 26 . ( 2 ) القمر : 2 .